Tafsir Al-Qurthuby QS 16:122> Nabi Ibrahim Meraih Hasanah di Dunia

Tafsir Al-Qurthubiy

وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً
قِيلَ : الْوَلَد الطَّيِّب . وَقِيلَ الثَّنَاء الْحَسَن . وَقِيلَ : النُّبُوَّة . وَقِيلَ : الصَّلَاة مَقْرُونَة بِالصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام فِي التَّشَهُّد . وَقِيلَ : إِنَّهُ لَيْسَ أَهْل دِين إِلَّا وَهُمْ يَتَوَلَّوْنَهُ . وَقِيلَ : بَقَاء ضِيَافَته وَزِيَارَة قَبْره . وَكُلّ ذَلِكَ أَعْطَاهُ اللَّه وَزَادَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
” مِنْ ” بِمَعْنَى مَعَ , أَيْ مَعَ الصَّالِحِينَ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا مَعَ الصَّالِحِينَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي الْبَقَرَة

Tafsir Qurthuby QS 2:201>Du’a Double Hasanah

Tafsir Al-Qurthubiy

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
” وَمِنْهُمْ ” أَيْ مِنْ النَّاس , وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ يَطْلُبُونَ خَيْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل الْحَسَنَتَيْنِ عَلَى أَقْوَال عَدِيدَة , فَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا الْمَرْأَة الْحَسْنَاء , وَفِي الْآخِرَة الْحُور الْعِين . ” وَقِنَا عَذَاب النَّار ” : الْمَرْأَة السُّوء .

قُلْت : وَهَذَا فِيهِ بُعْد , وَلَا يَصِحّ عَنْ عَلِيّ ; لِأَنَّ النَّار حَقِيقَة فِي النَّار الْمُحْرِقَة , وَعِبَارَة الْمَرْأَة عَنْ النَّار تَجُوز , وَقَالَ قَتَادَة : حَسَنَة الدُّنْيَا الْعَافِيَة فِي الصِّحَّة وَكَفَاف الْمَال , وَقَالَ الْحَسَن : حَسَنَة الدُّنْيَا الْعِلْم وَالْعِبَادَة , وَقِيلَ غَيْر هَذَا . وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَسَنَتَيْنِ نِعَم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح , فَإِنَّ اللَّفْظ يَقْتَضِي هَذَا كُلّه , فَإِنَّ ” حَسَنَة ” نَكِرَة فِي سِيَاق الدُّعَاء , فَهُوَ مُحْتَمِل لِكُلِّ حَسَنَة مِنْ الْحَسَنَات عَلَى الْبَدَل . وَحَسَنَة الْآخِرَة : الْجَنَّة بِإِجْمَاعٍ . وَقِيلَ : لَمْ يُرِدْ حَسَنَة وَاحِدَة , بَلْ أَرَادَ : أَعْطِنَا فِي الدُّنْيَا عَطِيَّة حَسَنَة , فَحَذَفَ الِاسْم .

هَذِهِ الْآيَة مِنْ جَوَامِع الدُّعَاء الَّتِي عَمَّتْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . قِيلَ لِأَنَسٍ : اُدْعُ اللَّه لَنَا , فَقَالَ : اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار . قَالُوا : زِدْنَا . قَالَ : مَا تُرِيدُونَ قَدْ سَأَلْت الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ! وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس قَالَ : كَانَ أَكْثَر دَعْوَة يَدْعُو بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار ) . قَالَ : فَكَانَ أَنَس إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا , فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُو بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ , وَفِي حَدِيث عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَطُوف بِالْبَيْتِ وَهُوَ يَقُول : رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار . مَا لَهُ هَجِّيرِي غَيْرهَا , ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْد , وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَأْمُر أَنْ يَكُون أَكْثَر دُعَاء الْمُسْلِم فِي الْمَوْقِف هَذِهِ الْآيَة : ” رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار ” . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ عِنْد الرُّكْن مَلَكًا قَائِمًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض يَقُول آمِينَ , فَقُولُوا : ” رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار ” وَسُئِلَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح عَنْ الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَهُوَ يَطُوف بِالْبَيْتِ , فَقَالَ عَطَاء : حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وُكِّلَ بِهِ سَبْعُونَ مَلَكًا فَمَنْ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك الْعَفْو وَالْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار قَالُوا آمِينَ . .. ) الْحَدِيث . خَرَّجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي السُّنَن , وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ مُسْنَدًا فِي [ الْحَجّ ] إِنْ شَاءَ اللَّه .

وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
أَصْل ” قِنَا ” أَوْقِنَا حُذِفَتْ الْوَاو كَمَا حُذِفَتْ فِي يَقِي وَيَشِي ; لِأَنَّهَا بَيْن يَاء وَكَسْرَة , مِثْل يَعِد , هَذَا قَوْل الْبَصْرِيِّينَ , وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : حُذِفَتْ فَرْقًا بَيْن اللَّازِم وَالْمُتَعَدِّي . قَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : هَذَا خَطَأ ; لِأَنَّ الْعَرَب تَقُول , وَرِمَ يَرِم , فَيَحْذِفُونَ الْوَاو , وَالْمُرَاد بِالْآيَةِ الدُّعَاء فِي أَلَّا يَكُون الْمَرْء مِمَّنْ يَدْخُلهَا بِمَعَاصِيهِ وَتُخْرِجهُ الشَّفَاعَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون دُعَاء مُؤَكَّدًا لِطَلَبِ دُخُول الْجَنَّة , لِتَكُونَ الرَّغْبَة فِي مَعْنَى النَّجَاة وَالْفَوْز مِنْ الطَّرَفَيْنِ , كَمَا قَالَ أَحَد الصَّحَابَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا إِنَّمَا أَقُول فِي دُعَائِي : اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّة وَعَافِنِي مِنْ النَّار , وَلَا أَدْرِي مَا دَنْدَنَتك وَلَا دَنْدَنَة مُعَاذ , فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَوْلهَا نُدَنْدِن ) خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنه وَابْن مَاجَهْ أَيْضًا .